ابو القاسم عبد الكريم القشيري

15

لطائف الإشارات

ليس من قام بمعاملة ظاهره كمن استقام في مواصلة سرائره ، ولا من اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه ، ولا من نصب بالباب من حيث الخدمة كمن مكّن من البساط من حيث القربة « 1 » ، وليس نعت من تكلّف نفاقا كوصف من تحقّق وفاقا ، بينهما بون بعيد ! قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 20 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) « آمَنُوا » أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبق في سماء يقينهم سحاب ريب ، ولا في هواء « 2 » معارفهم ضباب شك . « وَهاجَرُوا » : فلم يعرّجوا في أوطان التفرقة ؛ فتمحّضت « 3 » حركاتهم وسكناتهم باللّه للّه . « وَجاهَدُوا » : لا على ملاحظة عوض أو مطالعة عوض ؛ فلم يدّخروا لأنفسهم - من ميسورهم - شيئا إلا آثروا الحقّ عليه ؛ فظفروا بالنعمة ؛ في قيامهم بالحقّ بعد فنائهم عن الخلق . قوله جل ذكره : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( 21 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 22 )

--> ( 1 ) يتدرج الدخول عليه - حسبما نعرف من أسلوب القشيري - من الباب إلى البساط إلى العقوة أو الساحة ثم السدة . ( 2 ) وردت ( هؤلاء ) وقد صوبناها ( هواء ) لتلائم ( سماء ) و ( سحاب ) و ( ضباب ) فضلا عن أنها أقرب في الكتابة إليها . ( 3 ) تمحضت أي صارت خالصة للّه